أخيراً وجدتُه ..
ربوةٌ خضراء في حديقة الأزهر .. أجلس مستنداً إلى جذع نخلة و بجانبي مصباح إنارة، تتساقط عليّ حبيبات المطر، ويتهادى إلى مسامعي موسيقى هادئةٌ حانية..
أُطلُّ على القاهرة القديمة بمساكنها ومساجدها وعن يساري تطلُّ القلعة..
كأنّها الجنّة قد تجلّت على الأرض لبضع لحظاتٍ من عمر الكون..
هكذا عثرت على هذا المكان بعد جهد .. لا ينغّص عليّ جلستي إلّا نعيق غراب .. وكأن الزمان أبى إلّا أن يذكّرني بخطايا الإنسان الأولى ..
بردٌ قارسٌ يغلّف المكان .. (كيف يحيى الفقراء؟)
تنبعث ابتهالاتٌ روحانيّة من إحدى مآذن المساجد .. (صلّى الله على محمّد .. صلّى الله عليه وسلّم) .. فتذكرُ الشرق .. ولا تفكّر إلّا في مصر ..
هكذا تجلس في الجنّة لتنظر على مباني القاهرة القديمة المتهالكة ومقابرها، ترى مسجد محمد علي وترى برج القاهرة، بين ماضيها وحاضرها تتأمّل مستقبلها ..
...
شيءٌ ما يدفعني لأن أسأل المساكن عمّن سكنوها .. عن أحوالهم وأحلامهم..
هل ورثوها بعد أن ابتلعت القبور أجدادهم ؟..
أم أتوا إليها بعد أن استحالت عليهم حياهٌ أفضل ..
أخبريني أيّتها البيوت، هل اختلف من سكنك على مرّ العصور؟ أم ثبتت الأحوال واختلفت الوجوه والأوصاف..
هل عَلم ساكنوكِ بما كان؟
هل سمعونا حين هتفنا بملء حناجرنا؟
وهل رأوا بصيص الأمل في أصواتنا؟ .. أم لم يعبأوا بها؟
هل علموا أنّنا خرجنا من أجلهم؟ .. أم شُوّهَت صورنا في مخيّلاتهم؟
هل وجدوا في أصواتنا سبيلاً لخروجهم من قبورهم؟
ولو كان.. فما حالهم الآن؟ ماحالهم بعد أن مرّ العام ولم يروا ممّا أمّلناهم به شيئاً؟
وهل سيظلّون على حالهم؟ هل ستظلّ أجسادهم حيرى شقيّة بين القبور حتّى يأتي يوم دخولهم لها؟..
تُرى ماذا يقولون عنّا ونحن ننظرُ إليهم من هذا الارتفاع؟.. ننظر إلى جمال المساجد القديمة، ولا نعبأ بتواضع مساكنهم ..
بل إنّ منّا من يتمنّى لو هُدمت تلك المساكن أو انتقلت، فلا يبقى إلا المساجد القديمة، لينعموا برؤيتها وحدها ..
...
أمامي، وخلف تلك المساكن، لمحتُ مبنى "وزارة الخارجيّة" متوارياً .. على بعدٍ من برج القاهرة .. وجال في خاطري أفكارٌ وأسئلة ..
- هل يتوارى منّا.. أم من البرج.. أم من سكّان القبور؟
- هل يتوارى منّا بعد أن فقدت مصر مكانها فكان مكانه متوارياً كمكانها؟..
- أم يتوارى من البرج الذي جسّد الكرامة الوطنيّة وعزّة النفس؟، ففُضِحَ أمام نفسه بعد أن تذكّر أنّه - وقاطنيه- انحنوا أمام العالم .. القاصي والداني .. العدو والصديق..
- أم يتوارى من سكّان القبور ..داخلها وخارجها..
داخلها.. الذين رأوا في لحظة من لحظات الزمن مجد هذه الأمّة ..
وخارجها.. الذين يفكّرون الآن أن يدفعوا ما لديهم .. كي يجمعوا ما يجعل هذا المبنى مستقلّاً كريماً غيرَ ذليل ..
كي يجمعوا معونةً ..
كي يجمعوا معونةً خدعهم أحدهم - قاصداً أو صادقاً - موهِماً إيّاهم بأن استقلالنا يأتي بأن نجمع معونةً كانت تأتي كل عام.. ومازالت..
معونةً تأتي ولا نعرف أين تذهب ..
معونةً تأتي كل عام ويزداد حال المصريين بؤساً وفقراً كل عام..
معونةً تأتي لشعب مصر .. فيجمع شعب مصر من ماله ما يعادلها كي تذهب لشعب مصر !
فكّرت قليلاً .. و تخيّلت أن المشهد سيصبح أكثر جمالاً إذا اختفى هذا المبنى من الصورة ، فليس له مكانٌ فيها .. فتظلّ المساكن شامخةً غرّاء..
...
سأنهض الآن .. لستُ بعالمٍ ما إذا كنت سأعود إلى هذا المكان مرّة أخرى أم لا ..
لكن اعلموا يا من تسكنون هذه البيوت أنّني سأظلّ على العهد معكم .. فإمّا عشتم عيشةً كريمة ً هانئة .. وإمّا كنتُ راقداً بجواركم ..
تحت هذه الأرض..
هل ورثوها بعد أن ابتلعت القبور أجدادهم ؟..
أم أتوا إليها بعد أن استحالت عليهم حياهٌ أفضل ..
أخبريني أيّتها البيوت، هل اختلف من سكنك على مرّ العصور؟ أم ثبتت الأحوال واختلفت الوجوه والأوصاف..
هل عَلم ساكنوكِ بما كان؟
هل سمعونا حين هتفنا بملء حناجرنا؟
وهل رأوا بصيص الأمل في أصواتنا؟ .. أم لم يعبأوا بها؟
هل علموا أنّنا خرجنا من أجلهم؟ .. أم شُوّهَت صورنا في مخيّلاتهم؟
هل وجدوا في أصواتنا سبيلاً لخروجهم من قبورهم؟
ولو كان.. فما حالهم الآن؟ ماحالهم بعد أن مرّ العام ولم يروا ممّا أمّلناهم به شيئاً؟
وهل سيظلّون على حالهم؟ هل ستظلّ أجسادهم حيرى شقيّة بين القبور حتّى يأتي يوم دخولهم لها؟..
تُرى ماذا يقولون عنّا ونحن ننظرُ إليهم من هذا الارتفاع؟.. ننظر إلى جمال المساجد القديمة، ولا نعبأ بتواضع مساكنهم ..
بل إنّ منّا من يتمنّى لو هُدمت تلك المساكن أو انتقلت، فلا يبقى إلا المساجد القديمة، لينعموا برؤيتها وحدها ..
...
أمامي، وخلف تلك المساكن، لمحتُ مبنى "وزارة الخارجيّة" متوارياً .. على بعدٍ من برج القاهرة .. وجال في خاطري أفكارٌ وأسئلة ..
- هل يتوارى منّا.. أم من البرج.. أم من سكّان القبور؟
- هل يتوارى منّا بعد أن فقدت مصر مكانها فكان مكانه متوارياً كمكانها؟..
- أم يتوارى من البرج الذي جسّد الكرامة الوطنيّة وعزّة النفس؟، ففُضِحَ أمام نفسه بعد أن تذكّر أنّه - وقاطنيه- انحنوا أمام العالم .. القاصي والداني .. العدو والصديق..
- أم يتوارى من سكّان القبور ..داخلها وخارجها..
داخلها.. الذين رأوا في لحظة من لحظات الزمن مجد هذه الأمّة ..
وخارجها.. الذين يفكّرون الآن أن يدفعوا ما لديهم .. كي يجمعوا ما يجعل هذا المبنى مستقلّاً كريماً غيرَ ذليل ..
كي يجمعوا معونةً ..
كي يجمعوا معونةً خدعهم أحدهم - قاصداً أو صادقاً - موهِماً إيّاهم بأن استقلالنا يأتي بأن نجمع معونةً كانت تأتي كل عام.. ومازالت..
معونةً تأتي ولا نعرف أين تذهب ..
معونةً تأتي كل عام ويزداد حال المصريين بؤساً وفقراً كل عام..
معونةً تأتي لشعب مصر .. فيجمع شعب مصر من ماله ما يعادلها كي تذهب لشعب مصر !
فكّرت قليلاً .. و تخيّلت أن المشهد سيصبح أكثر جمالاً إذا اختفى هذا المبنى من الصورة ، فليس له مكانٌ فيها .. فتظلّ المساكن شامخةً غرّاء..
...
سأنهض الآن .. لستُ بعالمٍ ما إذا كنت سأعود إلى هذا المكان مرّة أخرى أم لا ..
لكن اعلموا يا من تسكنون هذه البيوت أنّني سأظلّ على العهد معكم .. فإمّا عشتم عيشةً كريمة ً هانئة .. وإمّا كنتُ راقداً بجواركم ..
تحت هذه الأرض..
